الرئيسية / العصا البيضاء: عين الكفيف

العصا البيضاء: عين الكفيف





التكنولوجيا كانت هي طريق المكفوفين إلى ممارسة حياتهم كباقي أقرانهم من الأصحاء، حيث مهدت لنا طريق الحياة والانخراط في المجتمع، ومن بين الأدوات التكنولوجية التي سهلت علينا الكثير؛ العصا البيضاء، فهي للكفيفين بمثابة العين التي ترشدهم إلى الطريق، وترد عنهم الأخطار التي قد تعترضهم خلال الحركة، ويرون فيها رمزا لاستقلاليتهم، كما تساعدهم على التنقل بشكل آمن، إذ أصبح باستطاعة أي كفيف التعرف على البيئة المحيطة به، ومكنته من القيام بأمور حياته المختلفة.


حكايتي مع العصا البيضاء بدأت بعد أن أنهيت المرحلة الجامعية، عندما قررت أن أخوض تحديا جديدا، ولكن هذه المرة بعيد كل البعد عن مشاكل الدراسة، وهو الحصول على شهادة قيادة الحاسوب، وما كان يدفعني إلى ذلك شغفي لتعلم كل ما ينفعني في هذه الحياة الصعبة، فالتحقت بالمركز السعودي لتدريب وتأهيل الكفيفات.


يقدم هذا المركز دورات متعددة لتثقيف الكفيفات وتدريبهن، وأثناء خضوعي لدورتي قيادة الحاسوب والطباعة، حدث موقف مع اثنتين من صديقاتي، عندما حاولتا عبور دوار الداخلية، وكانت إحداهما كفيفة بشكل كامل، بينما الأخرى تعاني من ضعف البصر، وعند محاولتهما قطع الشارع، لم تتمكنا من ذلك، حينها أصيبتا بحالة من الخوف منعتهما من الرجوع إلى الخلف أو التقدم باتجاه الجانب الآخر من الشارع، فأحدثتا إرباكا في الحركة المرورية، وتم على إثره إيقاف جميع السيارات، وهكذا استطاعتا الخروج من هذا المأزق بخير بدون حدوث أي أضرار.


وعند سماع مدربة التنقل والحركة المسؤولة عن إعطاء دورات عن العصا البيضاء وكيفية التعامل معها بهذا الخبر، قررت على الفور إعطاء المنتسبات الجدد دورة لتدريبهن على استخدام هذه الأداة، وكيفية التنقل بأمان.


في بداية الأمر رفضت أنا وعدد من صديقاتي الالتحاق بهذه الدورة، لأننا غير مقتنعات باستخدامها، ربما سبب رفضي هو شعوري بأنها أداة وظيفتها فقط الحماية والأمان من أي خطر يمكن أن يواجهني، أو ربما لأني أرى بعض الفتيات الكفيفات اللواتي يستخدمن هذه العصا يعتمدن أيضا على مرافق مبصر، ولكن كان السبب الأهم لهذا الرفض، هو عدم وجود بيئة مناسبة، فالشوارع والأرصفة غير مهيأة لحركة الكفيف بتاتا، وأرى أن ميزات هذه العصا لم تعد كافية لحمايتنا وينقصها بعض التطوير.


بحنا للمدربة بأسباب رفضنا، لكنها لم تستسلم، وبدأت تناقشنا، وتحاول إقناعنا بقولها إن حملكن للعصا يسهل أمامكن الكثير من المهام، فهي إشارة للناس بأنكن كفيفات، وتساعدكن على معرفة نوع الأرض وتحديد المواقع، وتحميكن من الاصطدام بالعقبات، أو الوقوع في الحفر، وأمام إصرارها الشديد وافقنا على الانضمام لهذه الدورة، ولكن بدون قناعة تامة، كنت أظن أن التدريب على استخدامها سيغير من رأيي، إلا أن ذلك لم يحدث.


وعندما شعرت المدربة بعدم استجابتنا للتدريب، اعتبرت ذلك ضعفا أو خوفا من الإحراج، حينها أجبتها وبكل ثقة ليست العصا هي التي ستقيم شخصية الكفيف، فهناك الكثير من الفتيات الكفيفات اللواتي يتمتعن بشخصية قوية، ولكنهن غير مقتنعات باستخدامها، ونحن أشخاص لا نسمح للضعف أن يتسلل إلى قلوبنا، وأنا لست ضد العصا البيضاء، ولكن أرى أنها تخدم الشاب الكفيف أكثر من الفتاة، ويعود السبب في ذلك إلى خوف الأهل الزائد على الفتاة وعدم تقبلهم لخروجها وحدها.


بعد هذا الجواب لم يبق أمام المدربة سوى ترك حرية الاختيار لنا، إما الاستمرار في الدورة أو الخروج منها، فكان خيارنا هو الاستمرار لكسب مهارة جديدة، وحتى لا يبقى هناك أمر يخص المكفوفين لم أتعلمه أو أتعرف عليه، وما أحلم به تجاه العصا البيضاء، هو أن تخرج من إطار كونها أداة حماية، إلى وسيلة تنقل أفضل وأكثر تطورا، تمكن الكفيف من الاعتماد الكلي عليها عندها سنشعر بالمعنى الحقيقي للاستقلالية.

عن

Avatar

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.